ابن كثير

327

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء . وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول . قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فحدثهم بما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقام عروة بن مسعود فقال : أي قوم ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى ، قال : أو لست بالولد ؟ قالوا : بلى ، قال : فهل تتهمونني ؟ قالوا : لا ، قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ، فلما بلّحوا « 1 » علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته . قالوا : ائته ، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم له نحوا من قوله لبديل بن ورقاء ، فقال عروة عند ذلك : أي محمد ، أرأيت إن استأصلت أمر قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ؟ وإن تك الأخرى فإني واللّه لأرى وجوها ، وإني لأرى أشوابا « 2 » من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك ، فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه : امصص بظر اللات أنحن نفر وندعه ؟ قال : من ذا ؟ قالوا أبو بكر . قال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك . قال : وجعل يكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته صلى اللّه عليه وسلم ، والمغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه قائم على رأس النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومعه السيف وعليه المغفر « 3 » ، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى اللّه عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال له : أخر يدك عن لحية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فرفع عروة رأسه وقال : من هذا ؟ قال : المغيرة بن شعبة . قال : أي غدر ألست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء » . ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم بعينيه قال : فو اللّه ما تنخم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيما له صلى اللّه عليه وسلم فرجع عروة إلى أصحابه . فقال : أي قوم ! واللّه لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي ، واللّه إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ، واللّه إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه تعظيما له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .

--> ( 1 ) بلّحوا : أي عجزوا . ( 2 ) الأشواب : الأخلاط والأنواع . ( 3 ) المغفر : ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد .